*المقالة*
عنواني: الأبناء على آبائهم حقوق
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل له أسباب السعادة والكرامة، وربط بقاءه في الأرض بوسائل التربية والتأديب، وجعل الوالدين سبباً في وجوده وتربيته، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ أفصح من نطق بالضاد، وأرأف الناس بالصغار والأولاد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.
أيها القارئ الكريم، إنّ من نعم الله العظمى أن جعل للأولاد حقوقاً على آبائهم، كما جعل للآباء حقوقاً على أولادهم. فلا يليق بالمسلم أن يغفل عن هذا الباب الجليل؛ فإنّ صلاح الأبناء ثمرة لتربية الآباء، وفسادهم شؤم على الأبوين والمجتمع بأسره. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾...
وقد صنّف العلماء الأعلام في هذا الموضوع كتباً ورسائل، ومن أنفسها ما كتبه الإمام أحمد رضا خان البريلوي رحمه الله تعالى، حيث جمع بين دفّتيها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنن والآداب في شأن المولود وتربيته.
*من حقوق الأبناء على آبائهم*
الدعاء لهم منذ ولادتهم: فقد سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُؤذَّن في أذن المولود اليمنى ويكبَّر في اليسرى، ليكون أول ما يطرق سمعه كلمة التوحيد، وليُحفَظ من وساوس الشيطان.
العقيقة: وهي من السنن المؤكدة، تُذبح في اليوم السابع، فإن لم يتيسر ففي الرابع عشر، فإن لم يتيسر ففي الحادي والعشرين، لما فيها من الشكر لله تعالى وحماية الولد من البلايا.
حسن التسمية: فلا يجوز أن يُسمّى الولد باسم قبيح أو مخالف للشريعة، بل يُختار له أجمل الأسماء وأحسنها معنى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم.
التربية بالرفق واللين: فإن الولد أمانة الله عند والديه، لا يجوز لهم أن يضيّعوه أو يربّوه بالعنف والشدة التي تفسد قلبه، بل يُعامل بالشفقة والعدل.
العدل بين الأولاد: من أعظم الحقوق أن يعدل الوالد بين أبنائه في المحبة والعطاء، فلا يفضّل بعضهم على بعض في الهبة أو الكلام أو العطف، فقد قال صلى الله عليه وسلم اعدلوا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر.
تعليمهم الدين والقرآن: وهذا أشرف ما يُقدّم للولد، أن يُربّى على الصلاة منذ نعومة أظفاره، ويُعلّم أركان الدين وآداب الإسلام، حتى يشبّ على الطاعة ويُصبح لبنة صالحة في بناء الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر.
النفقة والرعاية: وهي من أعظم واجبات الآباء، أن يسعوا في كسب الحلال ليطعموا أبناءهم من طيب، فإن اللقمة الطيبة تُثمر صلاحاً، واللقمة الخبيثة تورث فساداً وشقاءً.
*ثمرة هذه الحقوق*
فإذا قام الآباء بهذه الحقوق على الوجه الأكمل، نشأ الأبناء صالحين مستقيمين، يسعد بهم المجتمع وتفتخر بهم الأمة، أما إذا ضيّع الآباء حقوق أبنائهم، كان ذلك وبالاً عليهم في الدنيا قبل الآخرة، فقد يشبّ الأبناء عاقّين أو فاسدين فيكون الأب أول من يندم.
أيها الآباء الكرام، إن أولادكم أمانة الله بين أيديكم، وأنتم مسؤولون عنهم غداً بين يدي الله تعالى، فاتقوا الله فيهم، وأحسنوا تربيتهم، واغرسوا في قلوبهم حبّ القرآن والسنة، وازرعوا في نفوسهم مكارم الأخلاق، تنالوا بهم دعاءً صالحاً بعد موتكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
فاجتهدوا أن يكون أولادكم صدقة جارية لكم، وذكرى طيبة بعدكم، والله الموفّق والمعين.
اللَّهُمَّ اجعل أبناءنا قرةَ أعينٍ لنا، واحفظهم بحفظك، وارزقنا حسن تربيتهم بالعلم والإيمان، ووفّقنا للعدل بينهم، واجعلهم لنا صدقةً جاريةً في حياتنا وبعد وفاتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
✍️متعلم الجامعة الأشرفية✍️